وأضاف نقيب الصحفيين، أن الحاصل اليوم هو أن هامش حرية الرأي والتعبير قد توسع قياسا إلى الماضي، لا من حيث التطورات التي حصلت في القانون، رغم كل ملاحظاتنا ونضالنا من أجل تحسين الترسانة القانونية، ومن أجل جعل قانون الصحافة والنشر هو الوحيد الذي يجب أن يخضع له الصحافيون إذا ما تمت محاكمتهم بسبب أداءهم لعملهم، ولكن هذا لا يعفينا من الإقرار بأن القوانين الموجودة اليوم هي متقدمة قياسا للماضي، وهذا التوسع في هوامش حرية الرأي والتعبير لا يقتصر فقط على الضوابط القانونية، بل كذلك حتى في سلوك السلطة تجاه الصحافة، فبرغم وجود حالات من سوء الفهم أحيانا أو من التجاوزات، فإن هذا لا يرقى إلى اعتباره سياسة ممنهجة للحد من الحقوق والحريات كما كان في الماضي.
جاء ذلك خلال الندوة التي نظمتها النقابة الوطنية للصحافة المغربية وأوكسفام بالمغرب، وذلك يوم الأربعاء 02 مارس من السنة الجارية ب "فندق الرباط"، تحت شعار: "حرية الصحافة وأخلاقيات المهنة: لنتقاسم المسؤولية".
واعتبر الزميل عبد الله أن ثمة فهم مغلوط لحرية الصحافة وجب تصحيحه، فتلك الحرية مرتبطة بتيسير الحق في الوصول إلى المعلومة، وبحفظ حق الصحافي في التعبير عن الرأي ما لم يكن الرأي حاملا لدعوات للكراهية أو العنف أو العنصرية أو التمييز على أساس اللون أو الجنس أو المعتقد أو العرق، وهي مرتبطة بحق التنقل وأساسا بحق الولوج للأماكن التي تشهد أحداثا لها علاقة بعمله الإخباري، وكذلك هي مرتبطة بحماية الصحافي من أي شكل من أشكال الانتقام أو العقاب أو الضغوط أو التهديد بسبب أدائه لعمله، وكذلك حقه في حماية شهوده ومصادر خبره، ورفض أي أشكال التهديد أو الابتزاز من أجل الكشف عنها.
وبالنسبة للصورة في وسائل الإعلام، أوضح نفس المتحدث قائلا:"صحيح أننا نعيش في عالم الصورة، وبالتالي فالصورة هي واحدة من أهم آليات عمل الصحافي، بل أحيانا تشكل تعضيدا ودليلا على صدقية الخبر، فكلما كان مدعوما بالصور والفيديوهات كلما كانت صدقيته أكبر، ولكن هذا لا يبرر الخروقات المرتبطة بعدم حماية بعض الفئات مثل القاصرين أو بعض الحالات التي تعيش أوضاع هشاشة أو يمكن أن تتعرض لمخاطر إذا انتشرت صورهم، ( أمهات عازبات، أقليات جندرية تعيش تهديدات أسرية،،)، أو أشخاص في وضعية غير طبيعية أو وضعية قد تتسبب لهم في مشاكل أسرية أو مهنية أو تعرضهم للسخرية والتنمر لاحقا ( وضعية سكر أو تخدير متقدمة، إلقاء القبض على متهمين أو مشتبه بهم أو جانحين)، إن كل هذه الحالات تتطلب على الأقل تغطية الوجه، أو تغيير ملامح الوجه والصوت.
وخلص الزميل النقيب، إلى أنه يلزمنا عمل آني على واجهتين:
الأولى: التكوين الأساسي في المعاهد والتكوين المستمر سواء في المقاولات المهنية أو عن طريق أوراش تنظمها النقابة الوطنية للصحافة المغربية أو المجلس الوطني للصحافة وكافة الشركاء من أجل التحسيس والتنوير، وخصوصا أنه في حالات كثيرة تكون هذه التجاوزات مرتبطة بعدم معرفة هذه الأخلاقيات وأجرأتها أكثر منها سوء نية.
الثانية: أن يقوم المجلس الوطني للصحافة بأدواره في التنظيم الذاتي للمهنة، والتدخل بصرامة وبدون انتقائية لإيقاع العقوبات المناسبة، عبر مقررات معللة ومنشورة للعموم.
ومن جانبه، صرح الزميل سامي المودني عن المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، أن أخلاقيات المهنة، يجب أن نؤكد أنها لا تنفصل بشكل مطلق عن المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ذات الصلة بكل القضايا من بينها كرامة المرأة ومقاربة النوع الاجتماعي والتحريض على الكراهية ومختلف أشكال التمييز والعنصرية.
وأكد سامي المودني على أنه لا يمكن لمن لا يجد نفسه في هذه المعايير أن يمارس مهنة الصحافة بشكل يحترم معاييرها، بل يجب على الصحافيين الاطلاع بشكل دقيق حتى على التفسيرات التي تقدمها اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بخصوص مواد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لهذا دائما ما نركز على ضرورة تقوية قدرات الصحافيين في هذا الإطار.
واجمع المشاركون والمشاركات في هذه الندوة، وكما جاء في أرضية النقاش، على أن بعض المنابر الإعلامية، تبرر الاعتداء على فتاة أو امرأة، سواء في الشارع العام، أو داخل الفضاءات شبه المغلقة، إذ تذهب هذه المنابر إلى الغوص في شكل لباس الضحايا أو زمن تواجدهن في هذا الفضاء أو ذاك، بل إن بعض هذه المنابر تستحضر مستوى جمال وأناقة هؤلاء الضحايا، فيما تنهج بعض المنابر أسلوب التلصص عبر التسلل إلى صفحات الضحايا على مواقع التواصل الاجتماع واستراق صورهن واستعمالها في سياقات غير السياق الذي التقطت فيه.
وقالوا أن بعض حالات العنف أو الاعتداء على النساء تصبح أداة للإثارة وليس لمعالجة الظاهرة، إذ قد تنشر صور الضحايا بما تحمله من آثار للضرب والإيذاء دون أخذ إذن الضحية ودون استحضار واجب حمايتها وعدم الإساءة لأفراد أسرتها وعائلتها.
وتعكس بعض المواد الإعلامية عدم التشبع بثقافة المساواة، إذ غالبا ما تربط الأدوار الاجتماعية النمطية بالنساء، كما تقدم أدوار الرجال في قالب نمطي، في تعارض مع ما ينبغي أن يعتنقه الإعلامي/ة من ثقافة حقوقية متخلصة من النظرة الذكورية المبنية على التراتبية بين النساء والرجال.
وفي ظل تنامي ما صار يعرف بصحافة المواطن وصحافة "الموبايل" غير المُلتزمة بأخلاقيات المهنة، باعتبار أن ما تنشره من أخبار ومعطيات وآراء تبقى مجانبة لمبادئ المهنة، في ظل هذا الوضع يصبح الإعلامي/ة المهني/ة أمام مسؤولية حماية المهنة، ونشر ثقافة بديلة لما يروج اليوم في وسائط التواصل الاجتماعي، إذ لا يقبل من الإعلامي نهج أسلوب صحافة "الموبايل"، لأنه/ها من يتحمل مسؤولية حماية المهنة من أي انحراف، وذلك عبر الالتزام بقواعد المهنة وبميثاق أخلاقياتها.
شارك في هذه الندوة إلى جانب رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، كل من: عبد الجليل لعروسي عن منظمة اوكسام، ذ خديجة الرباح عن الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، ذ عائشة كلاع، عن الجمعية المغربية لحقوق الضحايا، وذ سامي المودني عن المنظمة المغربية لحقوق الإنسان.